الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
404
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
استعداده وقابليّته ، وإلى هذه الجهة يشير قوله تعالى : وأنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها 13 : 17 ( 1 ) فقد فسّر الماء بالعلم والمعرفة كما لا يخفى . ثم إنهم عليهم السّلام قد علمهم اللَّه تعالى كيفية تعليم الموجودات معرفة اللَّه ، وذلك إما بتنزلهم عليهم السّلام بلسان المعرفة إلى درجة فهم المدعو ، فيلقون إليه تلك المعرفة المتبادلة على قدر فهمهم ، وإما بترفيعهم المدعو إلى مقام الفهم للدرجة العالية من المعرفة فيعرفها ، وبما يرفعون الجاهل إلى مقام الفهم العالي فيعرف العارف بحقها ، وربما يرفعون الموجود بنوع خاص إلى الموجود بنوع آخر أعلى منه ، كما علمت من مخاطبة الحسين عليه السّلام للحمّى بقوله : يا كباسة . . إلخ ، فارفعه أولا إلى مقام الإنسانية ثم خاطبه بقوله : يا كباسة ، فافهم تغتنم . ثم إن الموجودات لما كانت لها مراتب من الظرف والوجود فهم عليهم السّلام حيث إنهم بمقامهم الولوي محيطون بكلّ شيء بإحاطة اللَّه ، فيدعون كلّ موجود في عالم كونه وهو على أقسام : الأول : عالم الماهيات قبل انوجاد الوجود حال كونهم فقراء بالذات عند بابه الكريم ، فسألوه بحقيقة ذاتهم الفقر المحض الوجود وغناء الوجود ، فدعوهم عليهم السّلام إليه تعالى فأوجدهم اللَّه تعالى وأغناهم بأصل الوجود أولا ، وبما يحتاجون إليه ثانيا ولعلَّه إليه يشير قوله تعالى : وآتاكم من كلّ ما سألتموه 14 : 34 . والثاني : عالم الشرع وهو على قسمين : الدعوة إليه تعالى في عالم الذر حيث قيل لهم : ألست بربكم قالوا بلى 7 : 172 ( 2 ) فهم عليهم السّلام دعوا الناس في ذلك العالم إلى التوحيد ، فقد جعل اللَّه تعالى فيهم ما يصلح لأن يخاطبوا بالدعوة إليه تعالى ، فأجاب بعضهم بالقبول ، وأنكر بعضهم كما ذكر مفصلا في تفسير قوله تعالى : وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم 7 : 172 ( 3 ) .
--> ( 1 ) الرعد : 17 . . ( 2 ) الأعراف : 172 . . ( 3 ) الأعراف : 172 . .